محمد بيومي مهران
403
دراسات تاريخية من القرآن الكريم
الكلام » أو كان عييّا لا يكاد يبين حين يتكلم ، وبالتالي فقد استعان في تبليغ رسالته إلى بني إسرائيل بأخيه هارون ، دليل على أنه كان مصريا ، ولم يكن إسرائيليا ، استنتاج فيه من الخطأ أكثر ما فيه من الصواب ، ذلك لأن بني إسرائيل ما كانوا يتحدثون العبرية في مصر ، فمن المعروف تاريخيا أن أسلاف العبرانيين كانوا يتكلمون الآرامية قبل أن يستقروا في فلسطين ، ثم بدءوا يتحدثون لغة الشعوب المضيفة لهم ، ففي مصر كانوا يتكلمون اللغة المصرية ، وفي كنعان كانوا يتكلمون الكنعانية ، وأما اللغة العبرية ، والتي كانت خليطا من الآرامية والكنعانية وكثير من اللغات السامية وغير السامية ، فيرجع تاريخ ظهورها إلى ما قبيل عام 1100 قبل الميلاد ، وبعد خروج بني إسرائيل من مصر ، كما أشرنا من قبل . ومنها ( سابعا ) أن ما جاء في التوراة والقرآن العظيم من أن الكليم عليه السلام عييّ لا يكاد يبيّن ، ومن ثم فقد سأل ربه الكريم وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي يَفْقَهُوا قَوْلِي « 1 » ، وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي ، هارُونَ أَخِي ، فهو أفصح منه لسانا ، إلى غير ذلك من الأدلة التي اعتمد عليها البعض ، على أنها
--> ( 1 ) اختلف المفسرون في زوال العقدة بكاملها ، فمن قال به تمسك بقوله تعالى : قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى ، ومن لم يقل به احتج بقوله تعالى : هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي ، وقوله تعالى : وَلا يَكادُ يُبِينُ ، وأجاب عن الأول بأنه لم يسأل حل عقدة لسانه بالكلية ، بل حل عقدة تمنع الإفهام ولذلك نكرها ، وقال : « عقدة من لسان » أي عقدة كائنة من عقد لساني ، وجعل قوله تعالى : يَفْقَهُوا قَوْلِي جواب الأمر ، وغرضا من الدعاء ، فبحلها في الجملة يتحقق إيتاء سؤله ، والحق ، كما يقول أبو السعود ، أن ما ذكر لا يدل على بقائها في الجملة ، ولكن الحسن البصري قال : حل عقدة واحدة ، ولو سأل أكثر من ذلك أعطى ، وأما قوله تعالى : هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لا تستدعي عدم البقاء لأن الأفصحية توجب بثبوت أصل الفصاحة في المفضول أيضا ، وذلك مناف للعقدة أصلا ، وأما قوله تعالى : وَلا يَكادُ يُبِينُ فمن باب غلو فرعون في العتو والطغيان ، وإلا لدلّ على عدم زوالها أصلا ، وتنكيرها يفيد قلتها ( تفسير أبي السعود 6 / 12 ) .